أعلنت الأكاديمية السويدية في ستوكهولم، يوم الخميس ٨ أكتوبر ٢٠٢٦م، فوز الشاعرة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، "عن أعمالها الجريئة والمبتكرة"، ورأت أنها ابتكرت أشكالًا جديدة للأدب المعاصر. وحين بلغها الخبر وهي في آيسلندا، قالت ضاحكة لإذاعتها: "مجانين، أظنهم كلهم مجانين".
بطاقة تعريف
| الاسم | آن كارسون (Anne Carson) |
| الميلاد | تورنتو، كندا، عام ١٩٥٠م |
| المهنة | شاعرة، وكاتبة مقالات، ومترجمة، وأستاذة للأدب اليوناني واللاتيني القديم |
| أشهر أعمالها | "إيروس: الحلو/المر" (١٩٨٦)، و"سيرة ذاتية للأحمر" (١٩٩٨)، و"نوكس" (٢٠١٠)، و"عائم" (٢٠١٦)، و"نورما جين بيكر من طروادة" (٢٠١٩) |
| كتبها بالعربية | "سيرة ذاتية للأحمر" (دار نينوى، ٢٠١٧)، و"إيروس: الحلو/المر" (دار صفصافة، ٢٠٢٤) |
| قيمة الجائزة | ١٢ مليون كرونة سويدية، وتُسلَّم في ستوكهولم يوم ١٠ ديسمبر |
| قبلها من كندا | القاصّة أليس مونرو، عام ٢٠١٣م |
السؤال الأول: من هي، ولماذا يصعب وصفها؟
لأنها لا تكتب نوعًا واحدًا. "سيرة ذاتية للأحمر"، أشهر أعمالها، رواية مكتوبة شعرًا، تأخذ جيريون، الوحش الأحمر المجنّح في الأسطورة اليونانية، وتجعله فتى حساسًا يكبر في عالم معاصر، ويكتشف الحب والاختلاف ونفسه. و"نوكس" مرثية لأخيها، لم تُصدرها كتابًا عاديًا بل صندوقًا فيه صفحات مطوية كالأكورديون. و"عائم" اثنان وعشرون كتيبًا منفصلة يقرؤها القارئ بأي ترتيب يشاء.
قد يبدو هذا غرابة مقصودة. لكنه عند كارسون نابع من الشيء نفسه دائمًا: علاقة عاشقة بالأدب الإغريقي القديم، وسؤال عن كيف يمكن لنص عمره آلاف السنين أن يُقال اليوم.
السؤال الثاني: ما علاقة الترجمة بالجائزة؟
هذا أكثر ما يستوقفنا نحن في الخبر. قالت الأكاديمية إن ترجمات كارسون عن اليونانية القديمة يمكن اعتبارها أعمالًا مستقلة بذاتها. أي أن نوبل كرّمت، ضمن ما كرّمته، مترجمةً.
ترجمتها لشذرات الشاعرة سافو مثال على ذلك. حين وصلتها قصيدة ممزقة لم يبق منها إلا كلمتان، لم تحاول أن تكمل الناقص. تركت الفراغ على الصفحة بين أقواس، ليرى القارئ الكسر كما هو. وهذا قرار مترجم، لا قرار ناقل.
وهو أيضًا ما يجعل ترجمتها هي نفسها إلى العربية امتحانًا صعبًا: كيف تترجم ترجمة؟ وكيف تنقل شاعرة تلعب بشكل الصفحة، وبالمسافات البيضاء، وبالكلمة الواحدة على السطر؟
السؤال الثالث: ماذا نقرأ لها بالعربية؟
القارئ العربي أوفر حظًا من قراء لغات كثيرة؛ فقد وصل إلينا من كارسون كتابان كاملان قبل الجائزة بسنوات:
- "سيرة ذاتية للأحمر"، ترجمة مأمون الزائدي، عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع (٢٠١٧). روايتها الشعرية عن جيريون، وأشهر ما كتبت.
- "إيروس: الحلو/المر"، ترجمة عبد الرحيم يوسف، عن دار صفصافة للنشر والتوزيع (٢٠٢٤). كتابها الأول، مقال نقدي وفلسفي عن الحب والرغبة والافتقاد، يبدأ من سافو التي وصفت إيروس بأنه "الحلو المر"، ويسأل: لماذا يكون الحب دائمًا رغبة فيما ينقصنا؟
ونشر مترجمون عرب قصائد ومقاطع من شعرها في المجلات والمنصات الأدبية، منها ترجمات موزة عبد الله العبدولي، ومختارات من قصائدها ترجمها يزن الحاج.
من أين تبدأ؟ إن كنت قارئ رواية، فابدأ من "سيرة ذاتية للأحمر"، ففيها حكاية تمسك بك رغم غرابة شكلها. وإن كنت تحب المقال والفكر، فابدأ من "إيروس"، فهو المفتاح الذي تُفتح به بقية أعمالها.
ويبقى أغلب ما كتبته، ومنه "نوكس" و"عائم" وترجماتها عن الإغريق، بانتظار من ينقله كاملًا إلى العربية.
وأين الأدب العربي؟
كل عام في أكتوبر يتجدد السؤال نفسه في صحافتنا الثقافية: متى يفوز عربي بنوبل مرة أخرى؟ فمنذ فاز نجيب محفوظ عام ١٩٨٨م، مرّ ثمانية وثلاثون عامًا لم تذهب فيها الجائزة إلى كاتب بالعربية. ويتردد كل عام اسم الشاعر أدونيس وغيره في قوائم التوقعات، ثم يُعلن اسم آخر.
تتعدد الآراء في تفسير هذا الغياب، ولن نحسمها هنا. لكن عاملًا واحدًا يتفق عليه كثيرون، ويعرفه كل من يعمل في النشر: لجنة الجائزة تقرأ بلغات قليلة، وتقرأ أغلب ما تقرأ مترجمًا. والأدب الذي لا يُترجم إلى السويدية أو الإنجليزية أو الفرنسية، أو يُترجم منه القليل، يصعب أن يُقرأ كاملًا، فضلًا عن أن يُقارَن بغيره.
وفي فوز كارسون نفسه درس لنا. كاتبة كرّمتها الأكاديمية، ضمن ما كرّمته، لأنها مترجمة تعاملت مع الترجمة كفن، ونقلت شعرًا عمره آلاف السنين إلى قارئ اليوم. أي أن الترجمة ليست تفصيلًا في طريق الأدب إلى العالم، بل هي الطريق نفسه.
وسؤال "متى يفوز عربي؟" يسبقه سؤال أقرب إلينا: كم رواية عربية تُرجمت هذا العام إلى لغة أخرى؟ ومن باع حقوق ترجمتها؟ ففي أسواق النشر الكبرى، يخرج الكتاب من لغته لأن وكيلًا أدبيًا أو ناشرًا عرضه على ناشرين في بلدان أخرى. وفي عالمنا العربي ما زالت هذه المهنة شبه غائبة، كما كتبنا في الوكيل الأدبي: المهنة الغائبة عن النشر العربي.
والصورة ليست قاتمة كلها. فمبادرات مثل "ترجم" التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة لا تكتفي بنقل الأدب العالمي إلى العربية، بل تدعم أيضًا نقل الأدب العربي والسعودي إلى لغات أخرى. وهذه بالضبط الحلقة التي تفصل الكاتب العربي عن القارئ العالمي، وعن لجان الجوائز معه.
ربما لن يتغير اسم الفائز العام القادم. لكن كل كتاب عربي يُترجم ترجمة جيدة اليوم، هو خطوة في الطريق إلى ذلك اليوم.
وماذا يحدث الآن؟
بعد كل نوبل يتغير شيء في سوق الحقوق. أعمال الفائز التي لم تُترجم تصبح فجأة مطلوبة، وترتفع قيمة حقوق ترجمتها، ويبدأ الناشرون التواصل مع ناشريها الأصليين أو وكلائها. وقد تعود الترجمات القديمة إلى المطابع بطبعات جديدة. شرحنا كيف تُدار هذه الحقوق، ومن يملك بيعها، في الوكيل الأدبي: المهنة الغائبة عن النشر العربي، وفي حقوق كتابك.
لكن ترجمة آن كارسون تحديدًا لا تحتمل الاستعجال. شاعرة كرّمتها نوبل لأنها تعاملت مع الترجمة كفن، تستحق مترجمًا يمنحها الوقت نفسه. فإن رأيت ترجمات جديدة لها تصدر بعد أسابيع من الجائزة، فاقرأ اسم المترجم وبيان الحقوق في الصفحات الأولى قبل أن تشتري.
عن دار مضامين: دار مضامين للنشر والتوزيع هي دار نشر سعودية تأسست عام ٢٠٢٣م، متخصصة في خدمات النشر والطباعة وما قبل الطباعة وما بعدها، وتقدم خدمات متكاملة للمؤلفين تشمل التقييم والاستشارات الأدبية، التحرير والتدقيق اللغوي، التصميم والتنضيد، الطباعة، التوزيع، التسويق والترجمة. تسعى الدار إلى تقديم تجربة نشر احترافية تجمع بين الجودة والدقة والابتكار، ودعم المؤلفين وإيصال إصداراتهم إلى القراء في المملكة العربية السعودية والعالم العربي. تعرّف على دار مضامين.
