في الثاني عشر من أكتوبر يحتفي الوسط الثقافي باليوم العالمي للرواية العربية. والاحتفاء الحقيقي بفنٍّ ما لا يكون بالتهنئة، بل بالسؤال عنه. ولهذا نطرح في هذا اليوم سؤالًا يخصنا مباشرة: أين تقف الرواية السعودية اليوم، عربيًا وعالميًا؟ وهل يوازي حضورها الكمي أثرها الفني؟
من «التوأمان» إلى الرف المزدحم
يؤرخ الدارسون غالبًا لبداية الرواية السعودية بـ«التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري عام ١٩٣٠م، ثم برواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري عام ١٩٥٩م، بوصفها أول عمل ناضج فنيًا. وظل الإنتاج بعدها قليلًا لعقود، حتى جاء مطلع الألفية فتغيّر المشهد: صار الروائيون بالعشرات، ثم بالمئات، ودخلت المرأة الكاتبة بقوة، واتسعت الموضوعات من المحلي الاجتماعي إلى التاريخ والفانتازيا والجريمة والخيال العلمي.
هذا التحول الكمي حقيقي ومهم، لكنه يطرح على الناقد سؤالًا لا يحب كثيرون سماعه: كم من هذه الروايات سيبقى؟
المكانة عربيًا: لحظات لامعة
عربيًا، لم تعد الرواية السعودية على الهامش. فقد فاز عبده خال بالجائزة العالمية للرواية العربية عام ٢٠١٠م، عن «ترمي بشرر»، وتقاسمتها رجاء عالم في العام التالي عن «طوق الحمام»، ثم فاز بها محمد حسن علوان عام ٢٠١٧م، عن «موت صغير». ثلاث جوائز في أقل من عقد، وهو رقم لافت لأدب كان يُنظر إليه قبل ذلك بوصفه وافدًا متأخرًا على الرواية.
لكن اللحظات اللامعة لا تصنع وحدها مكانة راسخة. فالمكانة تُقاس أيضًا بالقراءة النقدية الجادة، وبحضور الرواية في المناهج والدراسات العربية، وبأن يعرف القارئ في المغرب أو العراق أسماء سعودية غير الأسماء الثلاثة نفسها.
المكانة عالميًا: الباب ما زال مواربًا
عالميًا، الطريق أطول. كانت «بنات الرياض» لرجاء الصانع من أوائل الروايات السعودية التي وصلت إلى القارئ الغربي بعد ترجمتها إلى الإنجليزية عام ٢٠٠٧م،، لكن جزءًا كبيرًا من ذلك الاهتمام كان فضولًا تجاه المجتمع أكثر منه احتفاءً بالفن الروائي. وهنا مأزق تعرفه الآداب غير الغربية كلها: أن يُقرأ الكاتب بوصفه «نافذة على بلده» لا بوصفه روائيًا.
والمعيار العالمي اليوم ليس عدد الترجمات، بل نوعها: هل تصدر الرواية المترجمة عن ناشر يوزعها فعلًا ويروّج لها، أم تُطبع وتبقى في المخازن؟ وقد ناقشنا في مقال سابق لماذا يغيب الأدب العربي عن الجوائز العالمية الكبرى: آن كارسون تفوز بنوبل للآداب ٢٠٢٦م، وأين الأدب العربي؟
دعم الدولة: البنية تغيّرت
من الإنصاف القول إن البيئة التي يكتب فيها الروائي السعودي اليوم تختلف جذريًا عما كانت عليه قبل عقد. فمنذ تأسيس هيئة الأدب والنشر والترجمة عام ٢٠٢٠م، ضمن منظومة وزارة الثقافة، ظهرت أدوات دعم لم تكن موجودة من قبل:
- مبادرة «ترجم»: تدعم ترجمة الأعمال من العربية وإليها، وتفتح للرواية السعودية بابًا إلى لغات أخرى.
- معارض الكتاب: وفي مقدمتها معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي صار منصة للقاء الكاتب بالقارئ والناشر والوكيل.
- برامج دعم القطاع: مثل مبادرات الشراكة مع المقاهي والمكتبات، ودعم الناشرين والمشاركات الدولية.
- جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيرًا: أُطلقت عام ٢٠٢٤م، بجوائز كبيرة، وتتميز بربط الرواية بالإنتاج السينمائي.
هذا الدعم ركيزة مهمة، ويشير إلى أن الرواية صارت جزءًا من مشروع ثقافي وطني. لكن الدعم يفتح الأبواب ولا يكتب الروايات، وهنا يبدأ دور الكاتب والناشر والناقد.
الميزان: ما الذي نملكه وما الذي ينقصنا؟
| ما نملكه | ما ينقصنا |
|---|---|
| وفرة في عدد الروائيين والإصدارات | تحرير جاد يسبق الطباعة، فكثير من الروايات تُنشر وهي مسودة ثانية |
| دعم مؤسسي واسع من الدولة | نقد أدبي مستقل ومتابع، لا يكتفي بالمجاملة أو التجاهل |
| جوائز عربية كبرى في رصيد الرواية السعودية | استمرارية: أسماء جديدة تصل إلى القوائم كل عام |
| تنوع في الأجناس الروائية وجمهور شاب | ترجمة نوعية بتوزيع حقيقي، ووكلاء أدبيون يمثلون الكتّاب |
سؤال الكم والكيف
أخطر ما يواجه الرواية السعودية اليوم ليس قلة الدعم، بل سهولة النشر. حين يصبح إصدار رواية أمرًا متاحًا لكل من يملك ملفًا وتكلفة الطباعة، تتراجع المراجعة والصبر على المسودات. والمسؤولية هنا مشتركة: الكاتب الذي يستعجل، والناشر الذي يطبع دون أن يقرأ، والقارئ الذي يكتفي بالغلاف والعنوان.
وفي المقابل، تبقى الجوائز الكبيرة سلاحًا ذا حدين. فهي تمنح الرواية الضوء، لكنها قد تجرّ الكتّاب إلى الكتابة على مقاس الجائزة، أو على مقاس الشاشة، بدل الكتابة على مقاس الحكاية نفسها.
من رفوف دار مضامين
ونحن في دار مضامين جزء من هذا المشهد، ونحاول أن نكون في الجانب الذي يسأل قبل أن يطبع. وبهذه المناسبة نحتفي بالروايات التي صدرت عن الدار، ونشكر كتّابها على ثقتهم:
- «صرخة روح» للكاتبة ناهد رطروط
- «إلياذة الملكة جليلة» للكاتب عبدالله بن شريدة
- «عائد من الغيب» للروائي فالح المطيري
- «إنتروبيا» للكاتب علي المفضلي
- «دمعة غرناطة» للروائي أحمد السبيت
- «كل الأصوات» للروائي سعد حجر
- «ساليستيا» للكاتب تركي القحطاني
- «الوصية» للكاتب غريب الشريف
- «ضحية ٣٦» للكاتب الواعد باسل السليم
تجدونها في متجر دار مضامين.
الرواية السعودية لم تعد تبحث عن مكان على الخريطة، فقد وجدته. سؤالها الآن هو العمق: أن تُقرأ لأنها جيدة، لا لأنها سعودية، ولا لأنها مدعومة. وهذا لا تصنعه جائزة واحدة ولا مبادرة واحدة، بل يصنعه تحرير أصبر، ونقد أشجع، وقارئ أكثر تطلبًا.
كل عام والرواية العربية، والسعودية منها، بخير.
عن دار مضامين: دار مضامين للنشر والتوزيع هي دار نشر سعودية تأسست عام ٢٠٢٣م، متخصصة في خدمات النشر والطباعة وما قبل الطباعة وما بعدها، وتقدم خدمات متكاملة للمؤلفين تشمل التقييم والاستشارات الأدبية، التحرير والتدقيق اللغوي، التصميم والتنضيد، الطباعة، التوزيع، التسويق والترجمة. تسعى الدار إلى تقديم تجربة نشر احترافية تجمع بين الجودة والدقة والابتكار، ودعم المؤلفين وإيصال إصداراتهم إلى القراء في المملكة العربية السعودية والعالم العربي. تعرّف على دار مضامين.
